صديق الحسيني القنوجي البخاري

130

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقد ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن الإحسان فقال : « إن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 59 إلى 60 ] فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 ) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ قيل إنهم قالوا حنطة وقيل قالوا بلسانهم حنطا سمقاثا أي حنطة حمراء ، استخفافا منهم بأمر اللّه وقيل غير ذلك ، والصواب أنهم قالوا حبة في شعيرة قالوا ذلك استهزاء أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي رواية عن ابن عباس عن ابن جرير وابن المنذر : حنطة في شعيرة ، والأول أرجح لكونه في الصحيحين ، وبدلوا الفعل أيضا حيث دخلوا يزحفون على أستاههم ، قال الكيا الهراسي : فيه دليل على أنه لا يجوز تغيير الأقوال المنصوص عليها وأنه يتعين اتباعها . وقال الرازي يحتج به فيما ورد من التوقيف في الأذكار والأقوال وإنه غير جائز تغييرها ، وربما احتج به علينا المخالف في تجويز تحريمة الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح وفي تجويز القراءة بالفارسية وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة وما جرى مجرى ذلك . فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هو من وضع الظاهر موضع المضمر لنكتة تقدر في كل محل بما يناسبه تعظيما كقوله : أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ [ المجادلة : 22 ] وتحقيرا كقوله : أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ [ المجادلة : 19 ] أو إزالة لبس أو غير ذلك وهي مبسوطة في الإتقان للجلال السيوطي ، وكما تقرر في علم البيان وهي هنا تعظيم الأمر عليهم ومبالغة في تقبيح فعلهم وشأنهم رِجْزاً مِنَ السَّماءِ يعني عذابا ، والرجز العذاب ، قيل أرسل اللّه عليهم طاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا . وأخرج مسلم غيره من حديث أسامة بن زيد وسعد بن مالك وخزيمة بن ثابت قالوا : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به أناس من قبلكم ، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها ، وإذا بلغكم أنه بأرض فلا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 37 ، ومسلم في الإيمان حديث 1 ، 5 ، 7 ، وأبو داود في السنّة باب 16 ، والترمذي في الإيمان باب 4 ، والنسائي في الإيمان باب 5 ، 6 ، وابن ماجة في المقدمة باب 9 ، وأحمد في المسند 2 / 107 ، 132 .